الملف النووي: بين إنذار استراتيجي وتعديلات صناعية على مفاعلات EPR، فرنسا تحت الضغط

بين توتّرات دولية متصاعدة، وتحذيرات عسكرية، وتعديلات صناعية على مفاعلات EPR2، يجد الملف النووي نفسه في بيئة تبدّلت جذرياً. وفي فرنسا، تطرح هذه التطورات تساؤلات حول القدرة على إدارة مشاريع معقّدة من جهة، وتأمين البنى التحتية الحيوية في سياق استراتيجي متحوّل من جهة أخرى.

مقدّمة

تناولنا في مقال سابق كيف بات الأمن يفرض نفسه تدريجياً بوصفه رافعة للأداء في القطاع النووي الفرنسي.

وتأتي التطورات الأخيرة لتُعمّق هذا التحليل وتوسّع نطاقه.

فإحياء الطاقة النووية في فرنسا لم يعد يقوم على خيارات صناعية أو تكنولوجية فحسب، بل بات يندرج في بيئة يطبعها تدهور السياق الاستراتيجي الدولي، وتصاعد التوتّرات بين القوى الكبرى، وتزايد انكشاف البنى التحتية الحيوية.

وما التعديلات المطلوبة على مشاريع مفاعلات EPR2، ولا سيّما في بنلي (مقاطعة سين ماريتيم) وغرافلين (مقاطعة الشمال)، والتحذيرات التي أطلقتها السلطات العسكرية الفرنسية، إلا شواهد على هذا التحوّل.

وفي هذا الإطار، لم يعد ممكناً النظر إلى الملف النووي من زاوية صناعية بحتة أو من زاوية الطاقة وحدها، إذ بات يقع عند ملتقى رهانات تقنية وأمنية واستراتيجية، يُعيد تشابكها رسم شروط تطوير البنى التحتية وتشغيلها.

مناخ استراتيجي يتدهور حول الملف النووي

تحدّث رئيس أركان القوات المسلحة الفرنسية مؤخراً عن «أجواء مقلقة» تحيط بالملف النووي، في ظلّ تدهور تدريجي للمناخ الاستراتيجي الدولي، وفق ما نقلته الصحافة الفرنسية، ولا سيّما صحيفة «سود ويست».

فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، عادت المسألة النووية تدريجياً إلى صميم التوازنات الدولية. وقد أبرزت روسيا مراراً قدراتها النووية في خطابها السياسي والعسكري، ما أسهم في ترسيخ مناخ من التوتّر الدائم في أوروبا، وهو تطوّر وثّقته على نطاق واسع وسائل إعلام مثل صحيفة «لوموند».

كما وضع النزاع بنى تحتية حسّاسة أمام أوضاع غير مسبوقة؛ إذ وجدت محطة زابوريجيا النووية في أوكرانيا نفسها في قلب منطقة عمليات عسكرية، ما يُبيّن الهشاشة المحتملة للمنشآت النووية المدنية في سياق نزاع مسلّح قائم.

وفي هذا الإطار، تتقاطع تحليلات عدّة في الإشارة إلى تآكل تدريجي لآليات الضبط الموروثة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، في بيئة تبدو فيها التوازنات النووية أقلّ استقراراً.

‍

البرنامج النووي الإيراني والتوتّرات في الشرق الأوسط

ويُضاف إلى هذه التوتّرات في أوروبا بؤرة ثانية لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، حيث لا يزال البرنامج النووي الإيراني محطّ المخاوف الدولية.

فالتقدّم التقني الذي أحرزته إيران خلال السنوات الأخيرة في مجال تخصيب اليورانيوم، مقروناً بمفاوضات دبلوماسية غير مضمونة النتائج، يُغذّي مناخاً من التوتّر الدائم، وهو ملفّ تتابعه الصحافة الدولية والأوروبية بانتظام، ولا سيّما صحيفة «لوموند».

وبالتوازي مع ذلك، كشفت حوادث عدّة عن تطوّر التهديدات في المنطقة، إذ استُهدفت بنى تحتية استراتيجية للطاقة بهجمات جمعت بين الطائرات المسيّرة والصواريخ، ما أثبت إمكانية بلوغ مواقع حيوية بوسائل سريعة يصعب استباقها.

وكثيراً ما تُقرأ هذه الأحداث، التي وثّقتها الصحافة الاقتصادية والدولية على نطاق واسع، باعتبارها مؤشّراً على تحوّل أنماط النزاعات؛ فهي تُظهر أنّ بنى تحتية لا غنى عنها لتشغيل قطاع الطاقة في أيّ بلد قد تتعرّض لعمليات موجّهة في غضون مهل قصيرة جداً.

ورغم أنّ هذه الوقائع لم تستهدف منشآت نووية مدنية بشكل مباشر، فإنها تُسهم في توسيع طيف المخاطر المرتبطة بالبنى التحتية الحيوية في مجملها.

‍

شركة كهرباء فرنسا (EDF) ومفاعلات EPR2 وإحياء الطاقة النووية: قطاع تحت وطأة القيود

في هذا السياق الدولي المتوتّر، يُسلّط وضع الطاقة النووية في فرنسا الضوء على التحدّيات الصناعية التي يواجهها القطاع.

فكما أوردت مجلة «L’Usine Nouvelle» على وجه الخصوص، اضطرّت شركة كهرباء فرنسا (EDF) إلى مراجعة بعض عناصر تصميم مفاعلات EPR2، في إطار المشروعين النوويين في بنلي (مقاطعة سين ماريتيم) وغرافلين (مقاطعة الشمال).

وقد أشار رأيان منفصلان، صدرا مطلع فبراير عن هيئة الأمان النووي والحماية من الإشعاع (ASNR) وعن هيئة التقييم البيئي، إلى أوجه قصور، لا سيّما في تصميم الهندسة المدنية لهذه المفاعلات النووية من الجيل الجديد.

وتأتي هذه التعديلات في وقت أطلقت فيه فرنسا مسار إحياء الطاقة النووية، الذي تقدّمه بوصفه ركيزة أساسية لسيادتها في مجال الطاقة.

كما تكشف هذه التعديلات عن مستوى الصرامة البالغ الذي تخضع له هذه المشاريع، في بيئة تتشابك فيها القيود التقنية والتنظيمية والصناعية تشابكاً وثيقاً.

‍

البنى التحتية الحيوية والمشغّلون ذوو الأهمية الحيوية (OIV) والأمن النووي: انكشاف متزايد

تأتي هذه التطورات مجتمعة في بيئة تحتلّ فيها البنى التحتية الحيوية مكانة محورية في سير عمل الدول.

ففي فرنسا وأوروبا، تُشكّل المحطات النووية وشبكات الطاقة والمواقع الصناعية الكبرى ركائز أساسية للسيادة في مجالَي الطاقة والاقتصاد. ويُنظّم الإطار الخاص بالمشغّلين ذوي الأهمية الحيوية (OIV) والنقاط ذات الأهمية الحيوية (PIV) حمايتها، عبر التزامات تهدف إلى ضمان استمرارية الأنشطة الأساسية.

غير أنّ عدداً من الدراسات التحليلية والدروس المستخلصة من تجارب حديثة يكشف عن تطوّر متسارع لهذه البيئة.

فقد أظهرت النزاعات التي شهدها الشرق الأوسط أنّ منشآت الطاقة يمكن أن تُستهدف بدقّة وتنسيق، مع آثار فورية على الإنتاج والإمدادات. وكثيراً ما تُفسَّر هذه التطورات على أنها مؤشّر على تحوّل في طبيعة المخاطر، يتّسم بتهديدات أكثر تشتّتاً وأسرع وتيرة، وغير متكافئة أحياناً.

وفي هذا السياق، يتّجه تأمين البنى التحتية النووية ومنشآت الطاقة نحو إطار أوسع، عند تقاطع اعتبارات الصناعة والطاقة والأمن.

‍

الخلاصة

تكشف التطورات الأخيرة المرصودة على الصعيدين الدولي والفرنسي عن تضافر جملة من العوامل.

فالتوتّرات بين القوى الكبرى، التي يعكسها على وجه الخصوص موقف روسيا في أوروبا والغموض الذي يكتنف البرنامج النووي الإيراني، تُسهم في إعادة الملف النووي إلى صدارة التوازنات الاستراتيجية. وفي الوقت نفسه، أظهرت النزاعات الأخيرة إمكانية بلوغ بنى تحتية استراتيجية للطاقة في آجال قصيرة وبوسائل محدودة.

وفي فرنسا، تُجسّد التعديلات المطلوبة من شركة كهرباء فرنسا على مشروعَي EPR2 في بنلي وغرافلين، إثر الآراء الصادرة عن سلطات الأمان النووي، القيود التقنية والتنظيمية المصاحبة لإحياء الطاقة النووية.

وفي هذا السياق، تندرج تصريحات رئيس أركان القوات المسلحة الفرنسية عن «أجواء مقلقة» ضمن بيئة تواجه فيها البنى التحتية الحسّاسة مزيجاً من القيود الصناعية وتحوّلات السياق الاستراتيجي.

وإذا ما نُظر إلى هذه العناصر مجتمعة، فإنها ترسم ملامح بيئة يتعيّن فيها على البنى التحتية النووية الفرنسية أن تستجيب في آن واحد لمتطلبات صناعية صارمة ولسياق من التوتّرات الدولية المتصاعدة.

‍