لا يقوم إحياء الطاقة النووية في فرنسا على خيارات صناعية أو تكنولوجية فحسب، بل بات يندرج في دينامية أوسع، يبدو فيها التحكّم في رهانات الأمن والسلامة شرطاً أساسياً لأداء المنشآت. ويُمثّل هذا التحوّل منعطفاً مفصلياً للقطاع النووي، وكذلك للفاعلين في مجال الأمن والسلامة، المدعوّين إلى الاضطلاع بدور أكثر استراتيجية في السنوات المقبلة.
قراءة جديدة للأمن: من قيد إلى شرط للأداء
بعد أن ظلّ الأمن طويلاً يُنظر إليه بوصفه إطاراً تنظيمياً مقيِّداً، يتعارض أحياناً مع المتطلبات الصناعية، بات اليوم عاملاً حاسماً في الأداء الشامل للمنشآت النووية. فجاهزية المفاعلات، واستمرارية التشغيل، والتحكّم في فترات التوقّف المبرمجة وغير المبرمجة، وموثوقية العمليات، كلّها تقوم على تنظيم متين واستباقي ومحكم لإدارة المخاطر.
ويعكس هذا التطوّر مقاربة أكثر نضجاً للمسألة: فالأمن لم يعد يُعدّ عائقاً أمام النشاط الصناعي، بل ركيزة لا غنى عنها لاستدامته. ومن خلال إدماج رهانات الأمن والسلامة منذ المراحل الأولى للمشاريع، يمنح القطاع النووي نفسه الوسائل اللازمة لتأمين أهدافه الصناعية، مع تعزيز ثقة السلطات العامة والشركاء والرأي العام.
رسالة حاسمة إلى النسيج الصناعي
يتجاوز هذا التغيّر في الموقف النطاق التنظيمي وحده، ليبعث برسالة واضحة إلى النسيج الصناعي بأكمله: إحياء الطاقة النووية يندرج في منطق إدارة شاملة للمخاطر، تستوجب التفكير في الأبعاد البشرية والتنظيمية والتقنية على نحو متّسق ومتكامل.
وفي هذا السياق، لم تعد متطلبات الأمن والسلامة تقتصر على منطق الامتثال في حدّه الأدنى، بل باتت تستلزم تحليلاً دقيقاً لمواطن الضعف، وهيكلة صارمة للمنظومات الأمنية، وقدرة على إدارة الأمن على المدى الطويل. فالأداء المنتظر من المنشآت لا يمكن فصله عن أداء منظومات الحماية المحيطة بها.
المشغّلون والنقاط ذات الأهمية الحيوية (OIV/PIV): إعادة تشكّل تدريجية للتوقّعات
تندرج المنشآت النووية، بوصفها بنى تحتية حيوية، اندراجاً كاملاً ضمن نطاق المشغّلين ذوي الأهمية الحيوية (OIV) والنقاط ذات الأهمية الحيوية (PIV). وتشهد هذه البيئات، التي ظلّت تاريخياً شديدة التأطير وقليلة الانفتاح أحياناً، تطوّراً تدريجياً في توقّعاتها في مجال الأمن والسلامة.
فبعد أن كانت بعض النطاقات حكراً على جهات تقليدية راسخة أو على نماذج شديدة الانغلاق، باتت مقاربة أكثر تكاملاً للأمن الشامل تفتح آفاقاً جديدة؛ إذ أصبح المشغّلون يتطلّعون إلى شركاء قادرين على التدخّل في سلسلة القيمة بأكملها: التدقيق، وهندسة المنظومات الأمنية، وتنظيم الموارد البشرية، وإدماج الحلول التقنية، والإدارة العملياتية.
أمّا شركات الأمن والسلامة القادرة على إثبات ثقافة حقيقية في إدارة المخاطر، وتمكّن من البيئات الحسّاسة، وقدرة على العمل ضمن أطر تنظيمية صارمة، فقد بات الوصول إلى هذه النطاقات أمامها أوضح وأكثر تنظيماً.
فرصة اقتصادية واستراتيجية لقطاع الأمن والسلامة
تُشكّل هذه الدينامية فرصة كبرى لقطاع الأمن والسلامة الخاص، إذ تُشجّع على بروز جهات قادرة على التموضع لا بوصفها مجرّد مزوّدي خدمات تشغيلية، بل بوصفها شركاء حقيقيين في تحقيق الأداء.
فالشركات التي ستُحسن هيكلة خدمات التدقيق والاستشارات الأمنية، وتقديم منظومات تقنية متكاملة (المراقبة بالفيديو، والتحكّم في الدخول، والكشف، والإشراف)، ومواكبة النشر والإدارة العملياتية على المدى الطويل، ستتمكّن من ترسيخ حضورها في المشاريع المرتبطة بالبنى التحتية الحيوية على نحو مستدام. وبعيداً عن البعد الاقتصادي، يُسهم هذا التطوّر أيضاً في تحقيق هدف أوسع يتمثّل في تعزيز القدرة على الصمود والسيادة الصناعية.
نحو حوكمة متجدّدة لأمن البنى التحتية الحيوية
يطرح ارتفاع سقف المتطلبات في البيئات النووية، وعلى نطاق أوسع في البنى التحتية الحيوية، مسألة حوكمة الأمن أيضاً. فإذا كانت الدولة تظلّ الضامن للمصالح الأساسية للأمة، فإنّ التأمين العملياتي للمواقع ذات الأهمية الحيوية (OIV/PIV) بات يعتمد أكثر فأكثر على منظومات هجينة تجمع بين المتطلبات العامة والقدرات الخاصة المتخصّصة.
وفي هذا السياق، لم يعد ممكناً التعامل مع الأمن والسلامة باعتبارهما استجابات جامدة أو حكراً على الدولة، بل يتعيّن أن يستندا إلى جهات قادرة على تصميم منظومات متكاملة ونشرها وإدارتها، تتلاءم مع التهديدات المعاصرة، بما فيها تلك التي لم تكن تؤخذ في الحسبان بالكامل في الماضي. فانتشار الطائرات المسيّرة، وتطوّر أساليب الأعمال العدائية، والترابط المتزايد بين الأنظمة، كلّها عوامل تفرض مقاربة شاملة واستباقية وقابلة للتطوّر لحماية البنى التحتية الحسّاسة.
مجموعة DGDM: فاعل في الأمن الشامل لخدمة المواقع الحسّاسة
تنخرط مجموعة DGDM انخراطاً كاملاً في هذه الدينامية. فبوصفها مجموعة متخصّصة في أمن البيئات الحسّاسة وسلامتها، ترافق مشغّلي البنى التحتية الحيوية وفق مقاربة منهجية، تمتدّ من التدقيق وتحليل مواطن الضعف إلى نشر المنظومات الأمنية وإدارتها العملياتية.
ومن خلال مختلف كياناتها، تُدمج DGDM الأبعاد البشرية والتنظيمية والتكنولوجية لتقديم حلول تتلاءم مع الرهانات الخاصة بالمواقع ذات الأهمية الحيوية (OIV/PIV). ويُجسّد قسم DGDM Defense System هذه القدرة على مواجهة التهديدات الناشئة بمنظومات متقدّمة، ولا سيّما في مجال مكافحة الطائرات المسيّرة والحماية المعزّزة للنطاقات الحسّاسة. وتتيح هذه القدرات معالجة مواطن ضعف رُصدت في الماضي، وتعزيز صمود المنشآت في مواجهة سيناريوهات تزداد تعقيداً.
واستناداً إلى حوكمة واضحة، وثقافة راسخة في إدارة المخاطر، وخبرة عملياتية مشهود لها، تُسهم مجموعة DGDM في الارتقاء بمعايير الأمن الخاص. ولا يتمثّل دورها في الحلول محلّ الدولة في مهامّها الأمنية، بل في تزويد مشغّلي البنى التحتية الحيوية بوسائل ملموسة لتعزيز استقلاليتهم الأمنية، وتحسين استمرارية أعمالهم، ومواكبة إحياء القطاعات الاستراتيجية، كالطاقة النووية، على نحو مستدام.


